سيف الدين الآمدي

334

أبكار الأفكار في أصول الدين

وأما غير المقدورة ؛ فلأنه لو لم يكن عالما ببعضها مع كونه قابلا للاتصاف بالعلم ؛ فيكون جاهلا ؛ إذ الجهل البسيط : هو عدم العلم فيما من شأنه أن يكون عالما ؛ وذلك على الله - تعالى - محال . فإن قيل : لا نسلم العلم الاضطراري بكون الفاعل - إذا كان مختارا له عالما - يدل على ذلك : ما نجده من الصنائع المحكمة لبعض الحيوانات المختارة ، من غير علم : كنسج العناكيب ، وبناء النحل ، وغيره . سلمنا أن العلم بذلك ضروري : ولكن شاهدا ، أو غائبا . الأول : مسلم . والثاني : ممنوع . ولا يلزم من الحكم بذلك شاهدا ؛ الحكم به غائبا ؛ وإلا للزم أن يكون أيضا متحركا بالإرادة ، وحساسا ، وجسما ، إلى غير ذلك من الأمور التي نعلمها بالضرورة لباقي ما شاهدناه من البناء المحكم ، والصناعة / المتقنة في الشاهد ؛ وليس كذلك . سلمنا لزوم ذلك غائبا ؛ ولكن لا نسلم أن المفهوم من كونه عالما ؛ يزيد على المفهوم من ذاته . قولكم : إنه يتصور العلم بالذات مع الجهل بكون مفهومها ، كونها عالمة ؛ غير مسلم ؛ بل الّذي يعلم إنما هو دلالة لفظ الذات على مسماه ، والّذي يجهل ، إنما هو دلالة قولنا عالم على مسماه : وأنه هل هو نفس الذات ، أو غيرها ؟ وذلك لا يدل على اختلاف المعنى . قولكم : يصح اتصاف الذات بكونها عالمة . مسلم ؛ ولكن لا نسلم دلالة ذلك على اختلاف المعنى ؛ بل جاز أن يكون المعنى واحدا . وإن كان اللفظ مختلفا كما نقول : الإنسان بشر ، والخمر عقار ، إلى غير ذلك من الألفاظ المترادفة . سلمنا دلالة ما ذكرتموه على اختلاف المفهومين ؛ ولكن لا نسلم أنه أمر وجودي ؛ بل جاز أن يكون عدميا : كما ذهب إليه ضرار بن عمرو ، وبعض الفلاسفة « 1 » . وما ذكرتموه وإن دل على كونه وجوديا ؛ لكنه معارض بما يدل على كونه عدميا ، وذلك أن

--> ( 1 ) انظر ل 72 / ب .